
كوب فارغ وهرِمٌ جالس و ذرات الهواء المشبعة بأبخرة البنزين المتصاعدة من السيارات الطائشة، العيون تحدق في الفراغ ..وفي الفراغ لا غير، شجار نشب بين سائقين تجاوز أحدهما الآخر، وارتفعت الأصوات ومعها بعض الهراوات وتجمهر الناس وتفرقوا.
~ ~ ~
~ ~ ~
أسراب ذباب تدور حول الملابس والأقدام الصغيرة القذرة ،وعيون تائهة وسط أكوام النفايات الملقاة على الطريق لا تعرف النجاة من قبر الحياة الذي ولدت فيه وستعيش وتموت فيه كمن سبقها من أسلافها.
~ ~ ~
قطع اللحم المرمية وجزء معلق مازال يسلخ من جسد الضحية ، نعجة بالتأكيد، فاللحم بات ينافس الذهب بالغلاء وزاد تذمر الناس، والتجار بانبساط وراحة بال، حتى حبات الطماطم أصبح يعمل لها ألف حساب قبل أن تقطع وتوضع في جوف قدر الماء..!
~ ~ ~
رغيف خبز أصبح موضوع النقاش، أمي تصر على وضعه للدجاج أو رميه في سلة المهملات لأنه ولا شك لا يصلح للإنسان، وقريبتها تصر على لذته إذ ما تناست لونه الداكن الغريب وحبات الرمل التي قد تشعر بها عند المضغ ورائحته التي لا تشبه الخبز ..ويا سلام إ ذ ما بلل ببعض الماء وأكل مع المرق !!
~ ~ ~
صراخ أليم.. وصرير سلاسل الحديد.. بدأ الألم يتلقفني وأنا أستمتع بوجبة الغداء المتأخرة.. نزلت مسرعه بعد أن وضعت غطاء رأسي بفوضوية واضحة وأناقة منعدمة ولقمة صغيرة ابتلعت ابتلاعا من الفزع، صفعت الباب أمامي ، أتتبع مصدر الصوت لأصل لغرفة مظلمة، الصغير مقيد بالسلاسل والأقفال تحيطه وأخته تضربه بقسوة، أخي الصغير يقف ببلاهة واضحة وأخته تقف بذات البلاهة..انتزعته انتزاعا من بين يدي تلك الجلادة، لم أحدثها و لم أنظر حتى إليها، كانت صدمتي تفوق قدرتي على الكلام، توقعت أن والده هو من يضربه فقد اعتدت تكرر المشهد ولكن أن تكون أخته فهذا كان آخر ما ينقص دمار هذه الأسرة، سحبته للخارج وأخذت انظر إليه، دموعه تغطي وجنتيه والدماء تنصب من أعلى أذنه..عيناه لا تفارق موضع قدميه ..
لماذا تضربك؟
لأني لا أريد أن أعود للعمل
ولماذا يا محمد؟
يضربونني ويشتمونني هناك
رفقت بالصغير ودفعته أمامي ليصعد لجدته، وقلبي يعتصر ألما، والجدة تجلس بقلق وقلبها يكاد يتقطع من الشجن، تصاحبها دموع تتسرب ببطء فوق تجاعيد الزمن لتعبر وجنتيها قبل أن تخترق ثوبها البالي بكلل، وينتهي المشهد ليمهد لمشاهد أخرى.
~ ~ ~
تمت
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق